النويري
136
نهاية الأرب في فنون الأدب
جواريك ، اللواتي ترسلين إليه فأبت أم جعفر . فقالت لها العبّاسة : إن لم تفعلي قلت للرشيد كلمتني في كيت وكيت . وإن فعلت ذلك واشتملت منه على ولد زاد في شرف ابنك . وما عسى أن يفعل أخي لو علم . فمالت أم جعفر إلى ذلك ، ووعدت ابنها أنها ترسل اليه جارية من صفتها وحسنها . فطالبها بها مرة بعد أخرى وهى تمطله ، حتى اشتاق إليها فأرسلتها إليه . فأدخلت عليه - وكان لا يثبت صورتها . لأنّه كان إذا جلس عند الرشيد لا يرفع طرفه إليها . فلما دخلت عليه كان قد شرب نبيذا . فاجتمع بها وقضى وطره . فقالت له : كيف رأيت خديعة بنات الملوك ؟ وأية ابنة ملك أنت ! ! قالت : أنا مولاتك العبّاسة . فتألم لذلك وقال لأمه : بعتنى واللَّه رخيصا . فاشتملت العبّاسة من ليلتها على حمل . فلما ولدته وكلت به غلاما يقال له رياش وحاضنة اسمها برّة . وبعثت بهم إلى مكة . وكان يحيى بن خالد ينظر على قصر الرشيد وحرمه وخدمه . ويغلق باب القصر بالليل وينصرف بالمفاتيح معه . فضيّق على حرم الرشيد . فشكت زبيدة أم الأمين مره إلى الرشيد ، فقال له : يا أبت - وكان يدعوه بذلك - ما بال أم جعفر تشكوك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين - أمّتهم أنا في حرمك وخدمك ؟ قال : لا . قال : فلا تقبل قولها . وزاد يحيى في الحجر والتضييق ، فدخلت زبيدة على الرشيد وقالت : ما يحمل يحيى على ما يفعل من منعه خدمى ووضعى في غير موضعه ؟ فقال : إنّه عندي غير متهم في حرمي ، فقالت : لو كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه ! ! قال : وما ذلك ؟ فأخبرته بخبر العبّاسة ، فقال : وهل على هذا من دليل ؟ ! قالت : وأي شئ أدل من الولد ، قال : وأين هو ؟ قالت : كان ها هنا فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة ، قال : ويعلم بهذا سواك ! ! قالت ما في قصرك جارية إلا وقد عرفت ما أخبرتك به . فسكت عنها وأظهر أنه يريد الحج . وأخذ معه جعفرا ، فكتبت العبّاسة إلى الخادم والداية أن يخرجا بالصبي إلى نحو اليمن . فلما وصل الرشيد إلى مكة